نبذة عن دار العلم
في عام 1406هـ، انبثقت فكرة تأسيس “دار العلم” من رحم الحاجة والحرص على الاجتماع تحت راية المعرفة. فبعد سنواتٍ من الألفة والمؤانسة التي عاشها طلبة العلم ومشايخهم في “بيت الإخوة” بجوار رفقائهم من الجالية اليمنية وغيرها من الجنسيات، اقتضت التوسعة العمرانية للمحكمة العامة دخول مقرهم القديم ضمن نطاق المشروع.
وأمام هذا المتغير، لم يقف المشايخ وطلبة العلم الموجهين المشرفين مكتوفي الأيدي، بل استحثوا الهمم لإيجاد صرحٍ بديل يجمع شتاتهم ويعينهم على مواصلة رحلة البحث والتعلم؛ فكان القرار باستئجار مقرٍ خاص لطبة العلم سمي فيما بعد باسم “دار العلم”.
أماكن ومراحل دار العلم
المقر الأول: يقع شرق جامع الفريان وبقرب من جامع محمد أبكر تم استئجاره لمدة ستة أشهر.
المقر الثاني: كانت غرب شارع الفريان وبقرب بيت احمد إبراهيم ( إيمير براني ) وفيه تم البدء بالمحاضرة الأسبوعية بتاريخ 13 / 3 / 1406 هـ
المقر الثالث: كانت غرب البيت الحالي بيت عبد الرحمن الدوسري تم استئجاره عام 1409هـ
المقر الرابع: وهو البيت الحالي والأخير تم استئجاره في عام 1412هـ واستمر حتى عام 1446هـ.
المجلس الشورى لدار العلم
مقدمة
المجلس الشورى لدار العلم هو أحد الأعمدة التنظيمية والفكرية للمؤسسة، وقد تأسس منذ نشأتها على يد نخبة من طلبة العلم ومشايخ فضلاء، اجتمعوا على خدمة الدعوة ورعاية شؤون الجالية بروح من المسؤولية والإخلاص والعمل الجماعي.
طبيعة العمل
يُعد عمل المجلس عملًا تطوعيًا خالصًا لوجه الله تعالى، لا يتقاضى أعضاؤه عليه أجرًا ولا مكافأة، وإنما يقومون به إيمانًا برسالة العلم، وحرصًا على خدمة الدعوة وتنظيم شؤون المجتمع، وبناء جيل واعٍ نافع لدينه وأمته.
نشأة المجلس وآلية اجتماعاته
منذ تأسيسه، درج المجلس على عقد اجتماعاته الدورية مساء كل يوم أربعاء عقب المحاضرة الأسبوعية، حيث يجتمع الأعضاء في مقر المجلس ليتدارسوا الأوضاع العامة ويناقشوا قضايا الدعوة وشؤون المجتمع. وقد استمر هذا النهج قرابة ثلاثين عامًا، مع المحافظة على انتظام اللقاء الأسبوعي، باستثناء فترات الإجازات الطويلة التي يقضيها الأعضاء في السفر.
رسالة المجلس وأهدافه
ركز المجلس على توجيه أبناء الجالية في البلد المستضيف، وتحقيق التوازن بين طلب العلم الشرعي والالتزام بالقوانين والأنظمة، مع الحرص على الاندماج الإيجابي في المجتمع. كما أولى المجلس اهتمامًا خاصًا بإعداد طلبة العلم ليعودوا إلى أوطانهم حاملين رسالة الدعوة، ناشرين الخير والمعرفة.
مجالات العمل والاختصاص
o تعظيم الاستفادة من طلب العلم في هذا البلد ونقله ونشره في الوطن الأم.
o تنظيم شؤون الجالية وضبط أوضاعها الاجتماعية والإدارية.
o تنظيم الزيجات العائلية وتحديد المهور وفق الضوابط الشرعية والاجتماعية.
o المشاركة في المناسبات الرسمية والحكومية المقامة في السفارة والفعاليات التي تنظمها الدولة.
o استقبال كبار المسؤولين من السفراء والوزراء وإقامة اللقاءات النافعة للأبناء.
o رعاية شؤون الأسرة والاهتمام بدعوة النساء والفتيات إلى التعليم الشرعي ونشر الخير.
o اختيار المشرفين على (دار البنين – دار الدعوة – الجمعية التعاونية) ودعمهم فكريًا ومعنويًا وماديًا لضمان حسن الأداء واستمرار الرسالة.
الهيكل الإداري
يتكوّن المجلس من رئيس، ونائب للرئيس، وأمين عام. وقد تعاقب على رئاسة المجلس كلٌّ من:
الشيخ/ هارون أبو بكر أحمد
الشيخ / محمد طاهر عبد الرحمن – رحمه الله –
الشيخ / أبو بكر بشارة طاهر – رحمه الله –
الشيخ / طاهر علي إبراهيم ( قنبو )
الشيخ / محمد حجر بشارة
أما منصب الأمين العام فقد تولاه:
الشيخ محمد أبكر عبد الرحيم ثم الشيخ عيسى علي سليمان ثم الشيخ عيسى بن عيسى عبد الرحمن
الأمانة المالية
الشيخ أبو بكر بشارة ثم الشيخ محمد أحمد إبراهيم ثم الشيخ محمد حامد قوري
أعضاء المجلس
بلغ عدد أعضاء المجلس في بعض الفترات نحو ثلاثين عضوًا أو يزيد، يتم اختيارهم بالتراضي والانتخاب من قبل الأعضاء أنفسهم. ومن أبرز الأسماء التي شاركت في عضوية المجلس عبر تاريخه:
محمد طاهر عبد الرحمن – رحمه الله –
أبو بكر بشارة طاهر – رحمه الله –
طاهر علي إبراهيم ( قنبو )
محمد شريف فكي أحمد
شريف محمد أحمد – رحمه الله –
شريف خالد عيسى
عبد الرحمن يوسف عبد الرحمن
محمد شريف الأمين – رحمه الله –
محمد أبكر عبد الرحيم
محمد حجر بشارة
محمد نور أحمد ( مالوكي )
محمد نور أحمد – رحمه الله –
محمد أحمد إبراهيم
محمد صالح جبريل
محمد صالح صلاح
حكي إسحاق إبرهيم – رحمه الله –
محمد طاهر موسى أبـابو
عبد الرحمن هارون عمر – رحمه الله –
هارون أبو بكر أحمد
عيسى احمد شاكيلا
عيسى إسحاق إبراهيم
عيسى محمد عدي – رحمه الله –
عيسى علي سليمان
محمد زين خليل طاهر
محمد حامد قوري
عيسى بن عيسى عبد الرحمن
محمد علي زين ( عليجاي )
علي عبد الرحمن حسن
حسن يوسف أحمد ( مالحسن أبو تلبيمي ) – رحمه الله –
أبكر عبد الرحمن سوقي
موسى يوسف عيسى
محمد صالح عدي
شريف علي جبريل
يوسف محمد زين
أبكر حامد آدم محمد
محمد طاهر سنوس – رحمه الله –
محمد طاهر عيسى أبو سمير – رحمه الله –
آدم بشارة عيسى
محمد بابكر علي
يوسف محمد محمود
إسحاق موسى إبراهيم
عثمان أبكر موسى
زكريا محمد عيسى
شخصيات اعتبارية ومشائخ وطلبة علم وعلماء زاروا دار العلم
زار هذا الصرح شخصيات مهمة وعلى سبيل المثال لا الحصر
فضيلة الشيخ العلامة / عبد الله بن جبرين – رحمه الله –
وفضيلة الشيخ / عبد الرحمن الفريان – رحمه الله –
وفضيلة الشيخ / عبدالعزيز السدحان – حفظه الله –
وفضيلة الشيخ / عبد الله العنقري – حفظه الله –
وفضيلة الشيخ / عبد الرحمن المعلا اللويحق
وفضيلة الشيخ / محمد حمزة أبو زيد – رحمه الله –
وفضيلة الشيخ الدكتور / إبراهيم بن محمد الصبيحي – رحمه الله –
فضيلة الشيخ / خالد بن عبد العزيز الهويسين
فضيلة الشيخ / علي بن سليمان الفايز
فضيلة الشيخ / عبد الله العمرو
وكذلك زار هذا الدار مجموعة من السفراء ورجال الدولة وشيوخ القبائل وعلى سبيل المثال لا الحصر
سعادة السفير / آدم التمير – سفير دولة تشاد في المملكة العربية السعودية من عام 1992م إلى عام 1995م
وسعادة السفير / الحاج محمود آجي – سفير دولة تشاد في المملكة العربية السعودية من عام 1995م إلى 1997م
وسعادة السفير / صقر يوسف أتنو – سفير دولة تشاد في المملكة العربية السعودية من عام 2006م إلى 2015م
وسعادة السفير / عثمان مطر بريمة – سفير دولة تشاد في المملكة العربية السعودية من عام 2016م إلى 2019م
وسعادة الوزير / محمد فكي أحمد – رحمه الله –
وسعادة الوزير / كدلاي يونس حامد ( كدلا يوردي )
والمستشار الأول / آدم كردي شمس
والدكتور / حقار محمد أحمد
والجنرال / بحر محمد موسى – رحمه الله –
وشيخ القبيلة / أبكر حامد كيلي ( ابكر همري )
ورجل الاعمال / مطار مورسي
ورجل الأعمال / محمد عباس ( مرعباسي )
ورجل الأعمال / ابكر طاهر موسى
والجنرال / حامد موسى – رحمه الله –
والبرفوسور والوزير / علي سليمان ذهبي
ومعالي الوزير / أحمد محمد زين
وغيرهم الكثير من الشخصيات الاعتبارية والمهمة والرائدة.






نشأة فكرة الدعوة إلى الله
يروي الشيخ محمد ابكر عبد الرحيم عن نشأة الفكرة فيقول: انطلقت شرارة الفكرة في السابع عشر من شهر شعبان لعام 1405هـ، حين توجه كل من الشيخ محمد أبكر عبد الرحيم والشيخ يوسف أحمد الأمين إلى منطقة القصيم في رحلة استطلاعية، بتوجيه وإشارة من الشيخ أبو بكر بشارة – رحمه الله – وعند وصولهما إلى مدينة بريدة، اجتمعا برئيس جمعية تحفيظ القرآن الكريم، الذي أرشدهما بدوره إلى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (رحمه الله) في محافظة عنيزة. وهناك، حظيا بشرف حضور درسه بعد صلاة المغرب، وعرضا عليه رغبة طلاب العلم في الرياض بالالتحاق بحلقاته والاستفادة من بحر علمه، متسائلين عن توفر سكن مخصص لهم. اعتذر الشيخ لعدم توفر السكن آنذاك، ولكنه غمرهم بكرمه المعهود باستضافتهم عند أحد تلامذته. وفي تلك الليلة المباركة، شهد الوفد اللقاء الأسبوعي المعتاد لطلاب الشيخ العثيمين. وبمحض الصدفة، تغيب الطالب المقرر له إلقاء الكلمة، فقام طالب آخر وتلا آيات من سورة الأحزاب قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ…} ثم شرع في تفسيرها بأسلوب ميسّر
تركت هذه اللحظة أثراً عميقاً في نفوس المشايخ، حيث أعجبوا بمنهجية نشر العلم ولو بالقليل، وتعاهدوا في أنفسهم قائلين: “إن عدنا إلى الرياض سالمين، لننقلنّ هذه التجربة إلى أهلنا وذوينا بلغتِنا المحلية.
ومع مطلع عام 1406هـ، وفي يوم الخميس وعلى طريقهم لحضور المحاضرة الأسبوعية بالجامع الكبير في الرياض، طرح الشيخ محمد أبكر الفكرة على رفقائه: موسى محمد زين، وعمر شريف، وزميل ثالث سقط اسمه سهوا.
وبعد عودتهم من المحاضرة الأسبوعية إلى (البيت الكبير – البقرو) حيث مقر سكن المشايخ، افتتحت الجلسة وعرض الشيخ عمر شريف تفاصيل المقترح المستلهم من رحلة القصيم، فلاقت الفكرة ترحيباً واسعاً وتأييداً مطلقاً من الجميع
دُشنت المسيرة وطبقت الفكرة رسمياً في 13 ربيع الأول 1406هـ في “بيت الإخوة الثاني”، وكان الشيخ محمد أبكر عبد الرحيم أول المتحدثين بمحاضرة عن (الغيبة) باللغة العربية، كما شارك في تلك البدايات الشيخ مريل روزيمي وغيرهم من طلبة العلم
استمرت هذه اللقاءات العلمية مساء كل أربعاء (ليلة الخميس) دون انقطاع، حتى في أصعب الظروف. ويذكر التاريخ بتقديرٍ كبير أنه حين تهدم “بيت الإخوة” جراء الأمطار الغزيرة في إحدى ليالي الثلاثاء، لم يتوقف النشاط؛ بل أقيمت المحاضرة في اليوم التالي مباشرة في بيت الشيخ/ حامد يسكي ( مالحمر يسكيمي )، وهو ما لخصه السيد إبراهيم بوكني نور بقوله: “إن هذه المبادرة تُذكر فتُشكر فالحرص على الدعوة حتى في أحلك الظروف وبين ركام المنازل المهدومة، لدليلٌ صادق على عظيم الإخلاص والاهتمام
استمرار الدعوة
وظلت المحاضرة الأسبوعية نبراساً يضيء الطريق منذ تأسيسها وحتى نهاية عهد بيت الإخوة عام 1446هـ، ولم يطرأ عليها من تغيير سوى موعدها الذي انتقل من الأربعاء إلى الخميس تماشياً مع تغير الإجازة الأسبوعية الرسمية، لتبقى هذه الدعوة شاهدةً على ثبات المبدأ وقوة العزيمة.
ومن شواهد النشاط الدعوي عام (1409هـ)، حيث توسع الدعاة في الدعوة وشاركوا في توعية أهلهم وبني جلدتهم في باقي مدن المملكة وبدؤا بمكة المكرمة وجدة والمدينة المنورة، وشارك في هذه الرحلة كل من:-
الشيخ محمد طاهر عبد الرحمن
الشيخ أبو بكر بشارة طاهر
الشيخ محمد شريف فكي
الشيخ هارون أبو بكر أحمد
الشيخ محمد أبكر عبد الرحيم
الشيخ محمد صالح عدي
وكانت أول رحلة للدعاة إلى تشاد عام 1414هـ الموافق 1995م وكان عدد الدعاة المشاركين ( 4 ) وكانت شبه استطلاعية وتفقدية والمدن اللي تم زيارته انجمينا ومساقط ومسرو
وهم كل من:-
الشيخ / هارون أبو بكر أحمد والشيخ / محمد أبكر عبد الرحيم والشيخ / موسى يوسف والشيخ / مازين خليل ابراهيم وفي العام التالي 1415هـ ذهب ثلاثة دعاة وهم: الشيخ محمد شريف فكي والشيخ هارون أبو بكر احمد والشيخ يوسف محمد زين وقد ذهبوا على أغلب مناطق تشاد واستطلعوا الحاجة الماسة للدعوة إلى الله.
وبتوفيق من الله في العام الذي يليه 1416هـ تم مشاركة عدد 15 داعية
وهم من القصيم الشيخ / محمد نور أحمد سليمان – رحمه الله – ومن المدينة المنورة الشيخ/ شريف على جبريل والشيخ/ محمد نور محمد عيسى والشيخ/ إبراهيم زنيمي ومن جده الشيخ/ محمد عثمان جبريل والبقية من مدينة الرياض تم زيارة جميع مناطق تشاد.
ويروي الشيخ شريف خالد عيسى موقفاً جليلاً شهده خلال إحدى الرحلات الدعوية برفقة الشيخ صالح وريي، حيث تجلت فيه الحكمة في مخاطبة القلوب والعقول.
كان المقام يستدعي كلمة يلقيها الشيخ شريف بتوجيه من رفيقه، وسط جمع من عامة الناس الذين غلبت عليهم رواسب الجهل، وتأثرت تصوراتهم بآراء المشككين، حتى باتوا ينظرون إلى القادمين من بلاد الحرمين بعين الريبة، ويصمونهم بـ “الوهابية” تنفيراً وتحذيراً.
وقبل أن يبدأ الشيخ شريف حديثه، استفتح الشيخ صالح بكلماتٍ بليغة استلّ بها سخيمة النفوس، حيث قال مخاطباً الجمع بذكاءٍ ورفق:
“أيها الناس، إنكم تفتحون قلوبكم وبيوتكم لكل ما يأتيكم من أرض الحرمين الشريفين؛ تحبون تمرها المستطاب، وتستشفون بماء زمزم المبارك، وتعتزون حتى بلباسها وزيها.. فكيف تقبلون كل ذلك وترفضون موروثها الديني والعلمي؟ لِمَ لا تعيرون هذا العلم سمعاً، وتُعملون فيه عقولكم بالتدبر والتفكر؟ فإن وجدتموه حقاً قبلتموه، وإن وجدتم غير ذلك فأنتم وشأنكم، أما الرفض لمجرد الظن والجهل فليس من شيم العقلاء.”
لقد كانت هذه الكلمات بمثابة المفتاح الذي كسر مغاليق الصدور، فكانت مقدمته تلك أبلغ أثراً وأعمق نفعاً من الكلمة ذاتها، إذ مهدت الطريق للقبول، وأزاحت غشاوة الأحكام المسبقة، وفتحت باب الحوار بالحجة والمنطق والمودة.
ويروي الشيخ شريف خالد موقفاً آخر يفيض بالحكمة من سجل رحلاته الدعوية، حيث كان في رفقة الشيخ إبراهيم زنيمي بقرية “كمكلاكا”، بصحبة مندوب شيخ القبيلة. وفي أثناء مسيرهم، اجتازوا بطلبةٍ لتحفيظ القرآن الكريم، يُعرفون في لسان قومهم بـ “ماجر”، وهم من أصول عربية عريقة.
لم يكن الموقف عشوائياً، بل استثمر الشيخ لغة الودّ وأسلوب الترغيب، فناداهم مستنهضاً فيهم وشائج القربى والاعتزاز بالأصل، قائلاً:
“إننا جئناكم من رحاب مكة والمدينة؛ معقل العروبة ومرجعها الأساس، ومعنا قبسٌ من العلم في كتيبات أمهات المتون العلمية المختصرة نودّ إهداءها لكم. فإذا ما وجدتم في طريقكم معلماً يرشدكم، فستجدون في هذه الصفحات نفعاً عظيماً وجنىً دانيًا.”
فما كان من الطلبة إلا أن استبشروا خيراً، وتلقفوا الهدايا بصدور رحبة، وأخذوا الكتب بكميات من كل فن عشرة.
لقد كان هذا النهج ثمرة فكرٍ ثاقب؛ فلو سلك الدعاة مسلك الوعظ المباشر أو عرضوا التعليم بأسلوبٍ فوقي، لوجدوا صدوداً ونفوراً، نظراً لما وقر في أذهان أولئك القوم من مفاهيم مغلوطة وتوجّسٍ من دعوة أهل السعودية (بوصمها بالوهابية). فكان “مدخل الهوية والهدية” هو المفتاح الذي فُتحت به القلوب قبل العقول.
وفي مشهدٍ آخر من مشاهد الحكمة الدعوية، يروي الشيخ شريف خالد تفاصيل حوارٍ جرى مع مندوب إحدى القبائل؛ حيث لاح في الأفق صراعٌ بين الموروث الشعبي وبين صحيح المعتقد. كان هذا المندوب متمسك بأذكارٍ وطقوسٍ موغلة في البدعية، وممارساتٍ شابتها شوائب الشرك – ومنها ما يُعرف بـ “ذكر الفاتح” وغيره – مما لم ينزل الله به سلطاناً.
فحاورناه وعندما اشتد الحوار وبانَ الحق، لم يرفض المندوب الحقيقة، بل أراد ميثاقاً يطمئن به قلبه ويُقيم به حجته، فخاطبنا بلغة الواثق الطامع في النجاة قائلاً: “يا معشر المشايخ، إن كنتُ سأترك ما نشأ عليه آباؤنا لأجل قولكم، فاكتبوا لي وثيقةً بأقلامكم، ووقعوا عليها بأسمائكم، لتكون حُجتي بين يدي الله ودليلي يوم العرض عليه؛ فإن سألني ربي: لِمَ تركت ذكر “الفاتح” واتبعت أذكار هؤلاء؟ قدمتُ له ورقتكم هذه برهاناً ودليلاً.”
لم نتردد في تحمل الأمانة، فاستجبنا لطلبه وكتبنا له عريضةً شرعية ووقعنا عليها. فكانت تلك الورقة هي الجسر الذي عبر به من ضيق البدعة إلى سعة السنة؛ فوفقه الله لشرح صدره، وترك تلك المحدثات، واستقام دينه وحسن معتقده، ليكون مثالاً حياً لصدق النية حين يوافقها وضوح الحجة.
وفي سجل الذكريات الدعوية، تبرز مواقفٌ تبرهن أن العلم أغلى من المتاع، وأن الورق المخطوط بالهدى أثمنُ من الذهب والحرير. يروي الشيخ شريف خالد فصلاً من تضحياتهم في سبيل نشر المتون العلمية وكتب العقيدة، حيث تحولت “حقائب السفر” من أوعية للمقتنيات الشخصية إلى خزائن متنقلة لوعي الأمة.
لقد بلغت العناية بالكتاب أن آثر الدعاة حِمل المجلدات على حمل متاعهم الخاص؛ فكان أحدهم يتخلى طواعيةً عن هداياه الثمينة وحاجاته الشخصية في سبيل توفير حيزٍ إضافي لكتابٍ قد يضيء قلباً أو يصحح عقيدة. لم تكن مجرد عملية نقلٍ للكتب، بل كانت “هجرةً بالمعرفة” تتطلب استنزافاً للأوزان المتاحة في السفر، وقد وجدوا في هذا الإيثار بركةً في الوقت، وتيسيراً في الخُطى، وأثراً باقياً في النفوس.
ولأن النوايا كانت خالصة، فقد سخر الله لهم سبل التيسير؛ فكان موظفو الاستقبال والمسؤولون في المطارات يقابلون هذا الشغف بالتقدير والتبجيل، قائلين بلسانِ الحال والمقال: “هؤلاء حملةُ علمٍ، وزادهم النور”. وكان المسؤولون يتجاوزون عن الأوزان الزائدة إكراماً لمحتواها العلمي.
ولم يتوانَ رجال الجمارك في تلك البلاد عن تقديم يد العون وتسهيل عبور هذه القوافل المعرفية، إدراكاً منهم أن ما تحمله هذه الحقائب ليس بضاعةً تُباع، بل هي حياةٌ تُهدي.
جهود طلبة العلم في خدمة ضيوف الرحمن
تتعدد أوجه البذل والعطاء التي يقوم بها طلبة العلم في ” دار العلم “، ويأتي على رأسها نيل شرف خدمة حجاج بيت الله الحرام؛ حيث كرسوا جهودهم في إرشاد الضيوف، وتبصيرهم بمناسك الحج وفق الهدي النبوي، مع الإجابة عن التساؤلات الشرعية، وتصحيح المفاهيم العقدية بما يضمن سلامة المنهج وصحة العبادة.
ولم تقتصر هذه الجهود على التوجيه المباشر، بل امتدت لتشمل تزويد الحجاج بـ وسائط معرفية وسمعية بلغاتهم الأم، لتكون لهم زاداً علمياً يحملونه إلى أوطانهم، فيغدون سفراء للخير ونوراً يضيء دروب العلم والدعوة في بلادهم.
انطلقت شرارة هذا المشروع الدعوي المبارك في عام 1409هـ، لتمتد مسيرته لأكثر من خمسة وعشرين عاماً من العطاء المتواصل. وقد شهد المشروع تطوراً نوعياً عاماً بعد عام، تجلى في زيادة أعداد الدعاة وتوسع نطاق الخدمات، وذلك بفضل الرعاية الكريمة والدعم السخي من محبي الخير في هذه البلاد المباركة.
اتخذت هذه المناشط من جامع حجاج البر (مسجد الكويتيين) مقراً رئيساً لها، حيث كان يجتمع الطلبة عقب الصلوات المفروضة لمد جسور التواصل مع الحجيج.
* الرعاية والإطعام: توازى الغذاء الروحي مع الإحسان المادي؛ حيث اعتنى الطلبة بتوزيع الوجبات الغذائية المقدمة من أهل البر والإحسان، لتصبح الدروس العلمية مقترنة بتوزيع الوجبات والوسائط المعرفية.
* القسم النسائي: لم يغفل المشروع دور المرأة؛ إذ خُصصت للنساء دروس فقهية وحلقات إفتائية، مما حقق نفعاً عظيماً واستفادة واسعة لجموع الحاضرات.
لقد كان لهذا النشاط الدعوي أثرٌ بالغ، حيث استفاد من فيضه خلقٌ كثير، فجز الله خيرا كل من ساهم فيها خير الجزاء.
ومن الأنشطة الدروس العلمية
أول من وضع الدرس العلمي هو الشيخ / محمد طاهر عبد الرحمن – رحمه الله – في منزله عام 1407هـ وكان في كتاب عمدة الأحكام ومختصر البخاري وتفسير القرآن الكريم، ثم تتالت واستمرت الدروس وشارك فيه كثير من طلبة العلم، وممن وضع الدروس في دار العلم باللغة القرعانية ( دزغه )
- الشيخ / عيسى محمد عدي – رحمه الله –
- الشيخ / محمد أبكر عبد الرحيم
- الشيخ / صالح هارون أبو بكر
- الشيخ/ محمد طاهر سوقي ( مطار سوقيمي )
- الشيخ/ يحيى خليل ابراهيم
- الشيخ/ عبد الرحمن يوسف عبد الرحمن
- الشيخ/ شريف علي محمد جبريل
- الشيخ/ حكي إسحاق ابراهيم
- الشيخ/ محمد نور أحمد مالوكي
- الشيخ/ أبو بكر بشارة طاهر
- الشيخ/ عيسى إسحاق ابراهيم
- الدكتور/ موسى يوسف عيسى
- الشيخ / محمد صالح محمد جبريل
- الشيخ / هارون أبو بكر أحمد
- الشيخ / أبو بكر عبد الرحمن سوقي
ومن الأنشطة المحاضرات والندوات
شارك في المحاضرة الأسبوعية منذ البداية مشايخ وطلبة علم وممن شارك على سبيل المثال لا الحصر :-
الشيخ / محمد طاهر عبد الرحمن – رحمه الله –
الشيخ/ محمد أبكر عبد الرحيم
الشيخ/ عيسى محمد عدي – رحمه الله –
الشيخ/ هارون أبو بكر أحمد
الشيخ/ محمد شريف فكي
الشيخ/ محمد طاهر سوقي ( مطار سقيمي )
الشيخ/ محمد نور أحمد – مرلوكي
الشيخ/ محمد حجر بشارة
الشيخ/ يوسف محمد زين
الشيخ/ عيسى علي سليمان
الشيخ/ حكي إسحاق ابراهيم– رحمه الله –
الشيخ/ طاهر علي إبراهيم – طار قنبو –
الشيخ/ طاهر موسى ابابو
الشيخ/ ابو بكر بشارة طاهر – رحمه الله –
الشيخ/ طاهر محمد عيسى – رحمه الله –
الشيخ/ عيسى أحمد شاكيلا
الشيخ/ محمد أحمد إبراهيم
الشيخ / عيسى إسحاق ابراهيم
الشيخ / يوسف الأمين احمد – رحمه الله –
الشيخ / علي عبد الرحمن حسن
الشيخ / اسحاق صالح خليل
الشيخ / ابكر حامد آدم
الشيخ / آدم معلم كبير
الشيخ / محمد شريف الأمين – رحمه الله –
الشيخ / محمد حامد قوري
الشيخ / عيسى بن عيسى عبد الرحمن
الدكتور / شريف علي جبريل
الشيخ / عثمان محمد أبكر
الدكتور / موسى يوسف عيسى
الشيخ / زكريا محمد عيسى
الأنشطة الخدمية للمجتمع
ساهمت دار العلم في تنظيم الأمور الاجتماعية لأبناء جلدتها حيث كانت تضع أنظمة وتسن لهم برامج لتنظيم وضعهم الاجتماعي
على سبيل المثال كانت هناك لجنة لتنظيم الأمور الأسرية مثل الزواجات فحدد لها المهر وتكاليف إقامة الوليمة وتقام الوليمة في مقر دار العلم للرجال والنساء في مقر دار الدعوة التابعة لها، وكذلك إقامة مائدة الإفطار في دار العلم في شهر رمضان المبارك، وكذلك من الأنشطة تأسيس مدرسة تعليمية خاصة لتعليم الأبناء القراءة والكتابة وتسمى دار البنين، واتحاد الطلبة
وكذلك انشاء دار الدعوة النسائية لتحفيظ القرآن الكريم لتعليم النساء والبنات
وكذلك مركز شباب الدعوة لحفظ المتون العلمية والأحاديث النبوية
وكذلك أسس الجمعية التعاونية للثقافة والتنمية في دولة تشاد لتكون الجهة المنفذة والفاعلة في الاعمال الإنسانية والخيرية في البلاد وقد نفذت كثيرا من البرامج والاعمال الخيرية
دور جيران دار العلم
في رحاب دار العلم: سيرة جيرةٍ صالحة وعطاءٍ لا ينضب لطالما كانت دار العلم منارةً لم تُستمد أنوارها من الكتب فحسب، بل من سواعد رجالٍ جاوروها فصانوا عهدها، وبذلوا مهجهم في خدمة قاصديها، فكانوا نعم الجيران ونعم السند أعلامٌ غابت أجسادهم وبقي أثرهم.
نتذكر ببالغ الإجلال الشيخ عيسى محمود إسحاق -رحمه الله-؛ “أمين السر” الذي ائتمنته الدار على أقفالها، فكان حامل مفتاح الجهة الغربية، والمؤتمن الذي نذر وقته وجلّ حياته في سبيل خدمة هذا الصرح، فغدا اسمه مقترناً بالتفاني والإخلاص.
ولطالما كان الشيخ (ملي) علامةً فارقة في مسيرة التوجيه والإشراف؛ إذ عُرف بصلابته في الحق، وحزمه الذي يملأ القلوب هيبةً ووقاراً. كان بمثابة الربّان الحاذق الذي يسوق طلابه نحو رياض الإيمان وحلقات العلم سوقاً حثيثاً، فلا يغفل عن شاردة ولا يترك متخلفاً، بل كان لهم بالمرصاد، يراقب مسيرهم ويقوّم معوجّهم بصبر المربي وحزم القائد.
وفي صبيحة كل خميس، ومع انقضاء الفترة الصباحية من التحفيظ، كان للمشهد جلالٌ خاص؛ حيث تُغلق أبواب جامع الفريان، ويُدعى المتجاوزون والمخطئون بأسمائهم في وقفةٍ للمراجعة والتقويم. ثم يُقادون بوقارٍ إلى “دار العلم”، لا لشيء إلا ليتلقوا تأديباً تهذيبياً، يُصاغ بأسلوبٍ يجمع بين الحزم والجمال، ليُعاد صهر نفوسهم وتقويم سلوكهم، ضماناً لعدم العودة للخطأ، واستقامةً لمسيرتهم في دروب العلم والهدى.
كما نستذكر بتقديرٍ عميق الشيخ سوقي عيسى إدريس -رحمه الله-، الذي كان رمزاً للضيافة والكرم؛ فما انفكّ يُطعم الطعام ويُشرف على موائد الصائمين في شهر رمضان المبارك، تلك الموائد التي كانت تجمع شمل رجال الحي قاطبة في أجواء ملؤها الإيمان والمودة.
ولا يفوتنا ذكر الشيخ آدم إبراهيم (أبو زا) -رحمه الله-، الذي سطر بجهوده الجليلة صفحات من الخدمة الصادقة في قضاء حوائج الناس وتوصيلهم مجانا وتسديد فواتيرهم وتعبئة الغاز، وغيرها من الخدمات، وكان ركيزةً أساسية في تنظيم السفر وإعداد الموائد، باذلاً وسعه في تيسير شؤون الناس وقضاء حوائجهم
ويكتمل العقد بذكر العمدة تاتا الأمين (أبو محمد)، الرجل الذي عُرف بفيض عطائه وسخاء نفسه؛ فكان له الدور الأبرز في تنظيم الأمور وترتيبها، مكرساً جهده في تيسير النقل والخدمات المجتمعية الشاملة، ليكون بحق قدوةً في البذل وحسن الإدارة وخدمة المجتمع دون مقابل ابتغاء ما عند الله.
وفي سياق العطاء المجتمعي الذي لا ينقطع، يبرز أسماء رجالٍ وهبوا ليلهم ونهارهم للخدمة العامة؛ نذكر منهم الأخ عثمان عيسى حماد، والأخ يونس عبد الجليل، والأخ أبو طاهر عثمان صالح، ومعهم عيسى چابي وغيرهم، الذين كانوا خلية نحلٍ لا تهدأ، يتلمسون احتياجات الناس ويقومون على خدمتها بكل تجردٍ ومحبة.
إن هؤلاء الرجال، بصدق انتمائهم وعظيم جهدهم، قد نقشوا أسماءهم في ذاكرة دار العلم وفي قلوب كل من عرفهم، جزاهم الله عن المجتمع خير الجزاء وأجزل لهم المثوبة.
الرحلات الترفيهية
منارات من ذاكرة “بيت الإخوة” المجتمعية
تجلّت أسمى صور التلاحم الاجتماعي في “بيت الإخوة” من خلال حزمةٍ من الأنشطة والبرامج النوعية، والتي كان من أبرزها تنظيم الرحلات الترفيهية في المناسبات والأعياد والعطلات الرسمية؛ سعياً لتعزيز الروابط ونشر البهجة في نفوس الجميع.
مشاهد من تلك الرحلات:
شدُّ الرحال إلى العيينة: كانت الوجهة المفضلة هي أحضان الطبيعة في “العيينة”، حيث تُنصب الخيام وتُقام المخيمات التي تمتد لعدة أيام، في أجواء تسودها الألفة وكرم الضيافة العربي الأصيل بتقديم الذبائح والولائم.
ميدان التنافس والترفيه: لم تكن تلك الرحلات للاستجمام فحسب، بل كانت ميادين تنبض بالحياة، حيث تُنظم المسابقات الثقافية والرياضية، كسباقات الجري ومنافسات “جر الحبل” التي تشعل حماس الحاضرين.
ألعاب من الذاكرة: وتبقى في الوجدان تفاصيل ألعابٍ شعبية فريدة، كـ “التراشق بالحنظل”، وما كان يرافقها من خططٍ لـ “هزيمة الفريق المنافس” وطرده من الميدان في أجواء مفعمة بالضحك والمودة.
إنها ذكرياتٌ محفورة في وجدان كل من حضرها، وصورٌ لا يمحوها الزمن من ذاكرة مجتمع “بيت الإخوة
جزى الله القائمين على هذا الصرح والمساهمين في استمراره خير الجزاء، وجعل ما قدموه من علم ونفع في موازين حسناتهم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
