في زمنٍ عزّ فيه النبل، كان شعلةً من صفاء، ورمزًا من رموز الإخلاص. رجلٌ لا يحدّ عطاؤه سقف، ولا يطلب من الدنيا جزاءً ولا شكورًا، بل يرفع حاجاته إلى السماء، ويكتفي برضا ربّها. كان يمشي في دروب الخير بصبر الأنبياء، ويعمل بصمتٍ يشبه خشوع الساجدين، لا يعرف للكلل بابًا، ولا للعناء جدارًا يوقفه.

امتثل للأوامر كما يمتثل الابن البارّ لوصايا والده، واحترم النظام كما يُحترم الحكيم في قومه، فكان مثالًا للانضباط، وصورةً ناصعة للوفاء. لم يكن ممن يطلب التميز، بل كان من الذين يصنعونه دون أن يشعروا، حضر مع الأوائل، وبنى مع الجميع، وساوى نفسه بالكل، لا يتأخر عن واجب، ولا يتردد في بذل.

تطوّع بخدمة المركز كما يتطوع القلب بنبضه، منح من وقته ما لا يُحصى، ومن جهده ما لا يُقاس، وكان في قوله صدوقًا، وفي فعله نقيًا، وفي عطائه نادرًا كالغيث في زمن القحط.

رحل الجسد، لكن الأثر بقي، شاهدًا على سيرةٍ لا تُنسى، وعلى روحٍ ساميةٍ لا تموت. 

رحمك الله يا عيسى، وأسكنك الفردوس الأعلى، وجعل ما قدمت نورًا لك في قبرك، وطيبًا يعبق في ذكراك، كما كنت طيبًا في حياتك، نقيًا في مسعاك، عظيمًا في صمتك.