بيت الإخوة

"بيت الإخوة"، ذلك البيت الطيني المتواضع التي ضم طلبة العلم من جميع بلدان العالم ومن جنسيات شتى وقبائل متفرقة، ذلك الصرح العتيق الذي لم يكن مجرد مأوى، بل كان محضناً للأرواح ومدرجاً للرجال. سكنته أجيال، ومرّ عبر ردهاته قامات، يستعصي البيان ويقصرُ الوصف حينما يغدو الحديث عن هذا البيت الجميل، فهو ليس مجرد جدرانٍ وسقف، بل هو كيانٌ تاريخي شهد تعاقب شخصياتٍ تركت أثراً لا يُمحى.

موقع البيت

تقع بيت الإخوة في حي جبرة جنوب المحكمة العامة
بيت واسع الأركان بباب واحد يشرع ذراعيه لاحتضان عابر السبل وطالب العلم،
تجلت في جنباته أسمى صور التأخي الإنساني، حيث ينقسم البيت لطابقين:
الطابق العلوي: استوطنه أبناء اليمن الشقيق وهم الكتلة الأكثر عددأً؟
الطابق السفلي: كان مستقر لطلبة العلم من تشاد والذين ناهز عددهم المئة والثلاثين، ويشاركهم العيش إخوة من جنسيات أخرى، أريتيا، وليبريا، وغانا، وافغانستان، وغينيا، ومواطنين من جنوب السعودية وغيرهم، أنصهروا جميعا في بوتقة واحدة تحت سقف هذا البيت الجميل.

الفصل الأول: نشأة الفكرة

يروي الشيخ / محمد أبكر عبد الرحيم – احد الطلبة الذين عاصروا تلك الفترة

تعود البذرة الأولى لمشروع “بيوت العلم” إلى منتصف العقد الثامن من القرن الرابع عشر الهجري، وتقريبا في حدود عام (1385هـ). في تلك الحقبة، كانت العاصمة الرياض منارةً تهوي إليها أفئدة طُلّاب العلم من شتى الأقطار، ينهلون من مَعين المعرفة، ويتزودون بالعلوم الشرعية على أيدي أكابر العلماء.

وفي تلك المرحلة الزاهرة، كان الناس تأوي وتتفادى لسماحة الشيخ الجليل محمد بن إبراهيم آل الشيخ – رحمه الله – (حفيد الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب)، لطلب العلم حيث أولى الشيخ طلبة العلم عنايةً فائقة، فخصّص لهم دوراً للضيافة والإقامة؛ لضمان تفرغهم الكامل للتحصيل المعرفي، موفراً لهم سبل العيش الكريم. وقد قام هذا الصرح بفضل الدعم السخي من ولاة أمر هذه البلاد المباركة، الذين اتخذوا من رعاية العلم وأهله نهجاً ثابتاً وممتداً.

استفاد من هذه البيوت جموعٌ غفيرة، وتخرّجت فيها نُخبٌ من أفاضل العلماء؛ ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: الشيخ عبد الله القرعاوي – رحمه الله – الذي نال حظوةً خاصة لدى شيخه لِمَا عُرف عنه من نبوغٍ وتفرّد، حتى إنه خُصّ ببيئة تعليمية مستقلة تقديراً لتميزه. وبإشارةٍ وتوجيهٍ من شيخه محمد بن إبراهيم – إثر رؤيا مباركة – انطلق الشيخ القرعاوي نحو جنوب المملكة، ليزرع بذور العلم هناك، وتتلمذ على يديه خلقٌ كثير، كان من أبرزهم الحافظ أحمد بن علي الحكمي – رحمه الله –

لم تقف هذه السنة الحسنة عند ذلك الحد، بل تلقّفها تلامذته الأوفياء من بعده، وكان في طليعتهم الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله الفريان – رحمه الله – الذي وُفّق لتقديم مقترحٍ رائد بتأسيس “جمعية خيرية لتحفيظ القرآن الكريم” في عام (1386هـ).

يضيف الشيخ الدكتور شريف أبو بكر علي – من الطلبة المعاصرين تلك الفترة –

يقول يعود الفضل في بزوغ فكرة إنشاء هذه الجمعيات إلى فضيلة الشيخ عبد الرحمن السيتي (من إقليم بنجاب بباكستان)، الذي وفد إلى مكة المكرمة حاملاً في صدره طموحاً لخدمة القرآن الكريم. ويُرجح أنه حظي بلقاء سماحة مفتي الديار السعودية آنذاك، الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله- حيث وجد الدعم والمؤازرة، وقد أسس في مكة المكرمة أول مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم – رحمه الله – لتكون هذه المدرسة هي الحجر الأساس واللبنة الأولى لهذا الصرح العظيم.

ثم انتقلت الفكرة من حيز المبادرة الفردية إلى العمل المؤسسي المنظم، حيث يُعد فضيلة الشيخ عبد الرحمن الفريان – رحمه الله- هو المؤسس الأول لجمعية تحفيظ القرآن الكريم، الذي قاد دفتها في بداياتها الرسمية بفضل الله، ثم برعاية القيادة الحكيمة للمملكة العربية السعودية، آتت هذه الشجرة أكلها؛ فنمَت وتطورت واتسعت رقعتها لتشمل كافة مناطق المملكة، محاطةً بعناية ولاة الأمر الذين جعلوا خدمة القرآن الكريم وساماً تزدان به الدولة.

ويضيف الشيخ / محمد أبكر عبد الرحيم ويقول: لم يقف الشيخ عبد الرحمن الفريان – رحمه الله –  على ذلك بل بادر بتخصيص دورٍ وسكنى مجهزة كاملة لطلبة العلم ودعمٍ مستمر لحفظة كتاب الله، وأسند أمانة الإدارة والإشراف على تلك الحلقات لفضيلة الشيخ أبو أحمد محمد بن سنان  – رحمه الله – وغدت تلك الحلقات محاضن إيمانية تضجّ بآيات الذكر الحكيم آناء الليل وأطراف النهار، وأثمرت غراساً طابت فروعها في السماء، حيث تخرّج فيها كوكبة من كبار العلماء والدعاة الذين تبوأوا أسمى المناصب، وفي مقدمتهم سماحة مفتي عام المملكة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ  – رحمه الله – ومعالي إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور عبد الرحمن السديس – وفقه الله –  وغيرهم الكثير ممن نفع الله بهم البلاد والعباد. 

الفصل الثاني: المسكن

لغزُ التأسيس وسرُّ الإخلاص

يستعرض الشيخ الدكتور شريف أبو بكر علي، والشيخ الأستاذ محمد نور محمد عباس، جوانب من ذاكرة هذا الصرح العريق، وذلك وفق الروايات التالية:

تظل هوية المشيّد الحقيقي لهذا البيت غائبة عن سجلات التوثيق رغم قِدم الدار وعظيم نفعها، وهو ما يراه الدكتور شريف دليلاً على خبيئة عملٍ صالحة؛ حيث يروي ويقول: يٌروى، والعلم عند الله أن هذا البيت كان وقفاً جاد به رجل من “الحماضنة” من دولة الكويت الشقيقة، خصصه لطلبة العلم والعلماء. وما يزال مآل ملكيتها مجهولاً حتى يومنا هذا، وكأن الله أراد أن يبقى اسم صاحبها طيَّ الكتمان ليكون إخلاصاً وسراً بينه وبين ربه، فجزاه الله خير الجزاء.

لم تكن الدار مجرد جدران، بل كانت مأوىً للقمم؛ حيث ينقل الدكتور شريف روايةً مفادها أن من بين الشخصيات الاعتبارية والمهمة التي اتخذت من هذا البيت سكناً لها، سماحة الشيخ صالح اللحيدان – رحمه الله – مما يضفي على المكان هيبةً علمية وتاريخية.

ويضيف الأستاذ محمد نور محمد عباس، لفتةً تاريخية استقاها من مذكرات رجل الأعمال المعروف سليمان الراجحي، إذ ذكر أنه في بواكير قدومه إلى مدينة الرياض، سكن هو وشقيقه صالح في “بيت الإخوة” لفترة من الزمن. وأن الإشراف على الدار في تلك الحقبة كان موكلاً إلى شخص يُدعى “ابن سنان”.

ويضيف أيضا أن من بين الشخصيات الاعتبارية كذلك الشيخ / محمد قاسم الجعفري – رحمه الله – حيث سكن في بداية حياته في هذا البيت.

الفصل الثالث: فكرة قدوم الجالية إلى الرياض

كانت البدايات شرارة صغيرة، لا يكاد يلحظها أحد، ثم ما تلبث أن تصبح نوراً يهدي خطى الساعين.

هكذا يروي الأستاذ محمد فضل نور سليمان أبو خالد ( مرفضلي ) أحد رواد الرعيل الأول من الطلبة، قصة الشغف التي قادت الخطى نحو الرياض، ما سمعه مشافهة من فم الشيخ إسحاق الأمين – رحمه الله – عن أول خيط نسج فكرة الرحلة إلى الرياض طلباً للعلم.

يقول الشيخ إسحاق الأمين – رحمه الله – إنه كان في رحلة للعمرة بين مكة والمدينة، ساق الله إليه ثلة من الإخوة الفضلاء من اليمن، رجالاً يحملون من الودّ ما يفتح القلوب، ومن الحديث ما يوقظ الشغف، وبينما تتهادى الكلمات بينهم، ذكروا له طلاب العلم، وبيت الإخوة، واسم ابن سنان، فكان لتلك الأسماء وقعٌ خاص في نفسه، كأنها باب يفتح على عالم لم يره بعد. فسألهم هل إلى ذلك السبيل من سبيل؟”، فأرشدوه إلى رجلٍ فاضل دلّه إلى ( بيت الإخوة ) وإلى مشرفه ابن سنان.

فيقول الشيخ: رأيته، فسرّني ما رأيت. كان المكان عامراً بالعلم، والقلوب فيه معلّقة بالقرآن، ثم عدت إلى المدينة. وبعدها جئت بابن أخي يوسف أحمد الأمين، ثم بأخوي محمد وأحمد. ثم تواصلت مع أعيان القوم في المدينة، وحثثتهم على إرسال أبنائهم، وبيّنت لهم أن أبواب العلم في الرياض مشرعة لمن أراد. فنهض الشيخ ملمار أرمي والشيخ فضل نور سليمان، وكان لهما دور كبير في توعية الناس وتجهيزهم وإرسالهم، حتى صار القادمون إلى الرياض أفواجاً من كل الحجاز، ممن بلغهم الخبر واشتاقت قلوبهم للعلم، وهكذا، من لقاء عابر في طريق بين الحرمين، بدأت رحلة علمٍ امتدت جذورها، وتفرعت أغصانها، وصار أثرها شاهداً على بركة النية وصدق السعي.

الرعيل الأول

يستذكر الشيخ علي عبد الرحمن حسن – أحد شهود الرعيل الأول وطلائع تلك الحقبة – فصول الحكاية، فيقول موضحاً أن بذور هذا الجمع المبارك غُرست حين قدم الشيخ إسحاق الأمين إلى مدينة الرياض، ميمماً وجهه شطر جامعة الإمام لإتمام دراساته العليا. ولم تكن رحلته مجرد طلب للعلم في ذاته، بل كانت استشرافاً لفتح آفاقٍ لغيره؛ إذ عاد إلى المدينة المنورة ليصطحب معه في شهر رجب من عام 1398هـ الموافق 1978م، ابن أخيه يوسف أحمد الأمين (دقّاش)، ليكون باكورة عقدِ من توالى وصولهم. وتتابعت الرحلات، وعاد الشيخ إسحاق مرة أخرى مؤزراً بالأخوين محمد وأحمد الأمين، وتزامن ذلك مع وفود كوكبة أخرى ضمت الحاج مالأرمي ونجله أبكر صديق، وشريف علي أبو بكر. ولم تلبث الرياض أن شهدت توافد مجموعات متلاحقة خلال أشهر رجب وشعبان ورمضان، ضمت أسماءً حفرت مسيرتها بمداد من الصبر والطلب، منهم: محمد علي قلماي، عبد الرحيم عبد الرحمن سوقومي، محمد وعيسى شريف ذهبي، والشيخ أبو بكر حامد آدم، والشيخ / شريف محمد أحمد – رحمه الله -–وغيرهم ممن سقط اسمه سهوا.

ومع بزوغ الخامس عشر من شهر شوال من العام نفسه، شهدت المسيرة تحولاً لافتاً؛ حيث أشرف الشيخ على نقل مجموعة من الفتية الغضّ عبر الجو من المدينة المنورة إلى الرياض، كانت أعمارهم تتأرجح بين العاشرة والثالثة عشرة، وهم:

محمد إبراهيم جبريل( ملمي )، محمد يوسف آدم ( مرتيرو )، وعلي عبد الرحمن حسن، وإبراهيم يوسف ( خليل )، ومحمد محمد طاهر جبريل ( مطاري )، ومختار يوسف آدم، واحمد محمد ( مالأيمر بوقرومي )، وشقيقه صالح محمد، وصالح ومازين ابنا موسى جبريل، ومحمد وعيسى ابنا علي سليمان.

وأمام هذا المشهد، وبسبب صغر سنهم الذي لم يكن معتاداً في محاضن العلم حينها، أبدى الشيخ أبو أحمد محمد بن سنان – رحمه الله – تحفظاً في بادئ الأمر خشيةً عليهم. إلا أن صدق الإلحاح، وتعهد الكبار بحمل أمانة رعايتهم وتربيتهم وتوجيههم، ذلّل الصعاب وفتح أبواب القبول، لتنطلق بذلك مرحلة استثنائية من العناية العلمية والتربوية،

لم يتوقف المدّ المعرفي عند هذا الحد، بل انضمت لاحقاً أفواج أخرى، منها أبناء اللافوزا (عمر ومحمد وأحمد)، وابنا أدقي (عمر وعلي)، إضافة إلى محمد فضل نور (أبو خالد)، وأبناء فضل مدني، وأحمد بشير، وأبكر سقوجي، وغيرهم من طالبي العلم

وهكذا، ظل هذا الغرس ينمو يوماً بعد يوم، وجيلاً إثر جيل، حتى استحال ذلك العدد القليل جيشاً من المتعلمين يربو على 132 طالباً، سطروا بقدومهم قصة نجاح إنسانية وعلمية بدأت بخطوة، وانتهت بمنارة علمية شامخة.

نستعرض فيما يلي شذرات من تلك المذكرات، كما نُقلت إلينا من صدور رواتها، لنرسم صورةً لزمنٍ كانت فيه الأماكن تضيق بالأجساد ولكنها تتسع بالحب والوئام، نتحدث هنا عن ذلك “البيت الطيني” الذي لم يكن مجرد جدران، بل كان وطناً مصغراً لمن لا وطن له، عجبٌ أمرُ ذلك الدار! كيف لبيتٍ واحد أن يلمّ شتات هويات شتى وجنسيات متعددة؛

ينقل لنا الشيخ الأستاذ / محمد نور محمد عباس طرفاً من تلك الذاكرة، حيث يقول:

كانت الطبيعة هي من يملي على سكان البيت جدولهم، ولم تكن الرفاهية تعرف طريقاً لهذا البيت؛ فكانت المراوح هي الملاذ الوحيد في ظل غياب المكيفات والثلاجات، فتكيفت الأرواح مع الطبيعة، ففي الصيف كان “السطح” هو الملاذ الأثير، حيث تُرصّ الأسرة تحت قبة السماء ليبيت الطلبة في ضيافة النسيم. أما القيلولة، فكانت في غرف الطين خلف النوافذ المفتوحة.

أما الغسيل: في غياب الآلات، كان “الطشت” هو سيد الموقف؛ مشهدٌ يجسد الصبر، خاصة حين ترى الصغار يغسلون ثيابهم بأقدامهم لضعف سواعدهم، في عراكٍ يومي يعكس جلد هؤلاء الفتية.

أما نظام العيش، فقد قام على مبدأ التكافل؛ حيث كان الطلاب يتناوبون على إعداد الطعام بجدولٍ دقيق. كان “طهاة اليوم” يستأذنون من معلميهم قبل انقضاء الدرس، فيأذنون لهم بتقديرٍ وتفهم للموقف حيث أن مدير المدرسة هو المشرف على بيت الإخوة.

يجتمع الفتية المكلفون – الذين تتراوح عددهم بين الثلاثة والخمسة – ليعدوا مائدةً قوامها القناعة، فغالباً ما كان الرز الأبيض المزين بـ “شطة كريستال” أو القليل من سلطة الطماطم هو سيد الموقف،

وفي المساء كان الفول المدمس هو أيقونة العشاء، يُعدّ داخل البيت ويُؤكل مع خبز “التميس” الساخن الذي يُجلب بكميات وافرة لتكفي الجموع، وقد يزدان العشاء أحياناً بطبق الشكشوكة والبيض المقلي.

لكن يومي الخميس والجمعة كانا يحملان البشرى، حيث يُزدان الرز بقطعةٍ من الدجاج، فتنقلب الدار إلى عرسٍ حقيقي، وتتعالى الأصوات ببهجة غامرة مرددةً بلهجتهم الخاصة” قري قري ” (إشارةً إلى فخذ الدجاج)، في تعبيرٍ عفوي عن فرحةٍ غامرة لم تكن تضاهيها كنوز الدنيا.

هكذا كانت الحياة.. بسيطة في مظهرها، غنية في مخبرها، صنعت رجالاً حملوا الأمانة وبنوا المستقبل.

ويستذكر الشيخ **علي عبد الرحمن** تحولاً لافتاً في تاريخ مطبخهم؛ فبعد أن كان الطلبة هم من يتولون مهام الطبخ بأنفسهم، حلَّ بينهم “طباخ يمني ماهر”، حمل معه أسرار النكهة العجيبة. وبفضل طعامه المميز الذي كان يُصنع بحب وإتقان، لم يتغير المذاق فحسب، بل تبدلت ملامح الطلبة أيضاً فظهرت عليهم آثار النعمة، وبانت الصِحة على أجسادهم، فصارت وجوههم نضرة وأبدانهم قوية بفعل تلك الوجبات الشهية.

لقد كان طعام “بيت الإخوة تجسيداً لمقولة البركة في الجماعة، حيث شبعوا من القليل، وضحكوا من القلب، وصنعوا ذكريات لا يمحوها الزمن

بيئة التعليم

لقد كان المقصد الأسمى لوفود الطلبة إلى مدينة الرياض هو الارتواء من مَعين العلم، في بيئةٍ سادها الدعم السخيّ، وتضافرت فيها جهود المسؤولين لتذليل كافة الصعاب وتوفير شتى الوسائل والممكنات. وفور انضمام الطلاب إلى كنف “بيت الإخوة”، وُضعت لهم خارطة طريق تعليمية دقيقة، بين حلقات التحفيظ في بيوت الله وبين مقاعد الدراسة النظامية في الصروح الحكومية، وفيما يلي شواهد حية يرويها أصحابها عن تلك الحقبة المباركة:

يستذكر الشيخ أبو الحسن علي عبد الرحمن تلك الأيام المليئة بالسكينة، حيث كان المشرفون يتعهدون الطلاب بعناية فائقة، فيسوقونهم مع تباشير الفجر إلى مسجد “الجفرة” ( مقر إمارة الرياض الحالي )، لحفظ القرآن الكريم على يد مشايخ فضلاء كالشيخ أبو أحمد محمد بن سنان وغيره. ولم تكن الحلقات تقتصر على الفجر فحسب، بل كانت تمتد لتشمل فترتي العصر والمغرب في مسجد الشيخ محمد قاسم المجاور لمعهد إمام الدعوة (مقر المحكمة الجزائية حالياً).

ومع إشراقة العام الدراسي 1399هـ، انطلقت المسيرة نحو التعليم النظامي حيث تم تسجيل الطلبة في  “مدارس تحفيظ القرآن الحكومية” حيث اتسم الجدول الدراسي حينها بتناغمٍ فريد؛ علمٌ أكاديمي في الصباح، وحفظٌ للقرآن الكريم في المسجد عصراً ومغرباً.

استمر هذا العطاء حتى افتُتح جامع “آل فريان”، فانتقلت الحلقات إليه لتتحول ردهاته إلى خلية نحل لا تهدأ من تاليٍ وذاكر، حتى تخرجت منه أفواجٌ مباركة أتمت حفظ كتاب الله.

ويضيف الأستاذ محمد فضل نور ( مرفضلي ) حيث يعود بذاكرته إلى مطلع عام 1401هـ، وهو التاريخ الذي يرجحه لتأسيس جامع آل فريان، حيث شهد إقامة أول مسابقة لتكريم حفظة كتاب الله. ومن الصور الذهنية التي لا تغيب، مشهد القارئ شريف أبو بكر وهو يصدح بآيات من سورة الفرقان بصوتٍ خاشع وأداءٍ متقن، أسر قلوب الحاضرين ونال استحسان الجميع.

ويروي الشيخ محمد نور محمد عباس تفاصيل قدومه من المدينة المنورة في نهاية عام 1400هـ، ليلتحق بطلب العلم في “بيت الإخوة” بحي “معكال”. ويصف الحياة هناك بأنها كانت تدار بنظامٍ دقيق يفيض بالوقار؛ فمع كل صباح، يستقل الطلاب الحافلة الكبيرة باتجاه مدرستهم ( مدرسة تحفيظ القرآن الكريم الأولى ) في حي عتيقة ( مكان الجامع الحالي ).

في تلك الفصول، نشأت روابط أخوية صلبة، حيث امتزجت جدية التحصيل ببهجة الرفقة الصالحة. ويستذكر أسماء زملائه الذين رافقوه من الصف الرابع الابتدائي وحتى الثالث الثانوي، ومنهم: (علي عبد الرحمن حسن، محمد إبراهيم جبريل ( ملمي )، عبد الله بن عبد العزيز آل الشيخ – ابن المفتي العام-، عبد العزيز الحكمي، خالد آل طالب، عبد الله عبد ربه، وأحمد البعداني )، لينضم إليهم في المرحلة الثانوية يوسف الدوسري وعبد الله دخيل الله، وغيرهم.

لم تخلُ تلك الأيام من تفاصيل إنسانية عميقة؛ فبعد يومٍ دراسي حافل وحلقة قرآنية بعد العصر، كان المشرفون يمنحون كل طالب ريالاً واحداً، فكان يمثل لهم قمة السعادة حين يبتاعون به “بسكويت البندق” و”ميرندا البرتقال”، لتكون في أعينهم أشهى مأدبة.

أما المساء، فكان يجمعهم على مائدة “الفول المدمس” والشاي، في مشهد يملؤه الرضا والقناعة. ومن الطرائف التي خلدتها الذاكرة، تمايز العرفاء بأكوابهم الخاصة، بينما كان الطلاب يصنعون من علب “الصلصة أو الفول المدمس” الفارغة أكواباً للشاي، في صورة تجسد أسمى معاني البساطة التي عاشها ذلك الجيلٌ.

الفصل الخامس: الروايات بالتفاصيل

الرواية الأولى

صفحات من تاريخ مسيرة العلم والتعلّم للجالية التشادية في مدينة الرياض

تستعيد هذه الصفحات المضيئة من الذاكرة جانبًا من تاريخ مسيرة العلم وطلبه في مدينة الرياض، كما رواها الشيخ علي عبد الرحمن أبو الحسن، موثّقةً بداياتٍ مباركة، وخطواتٍ راسخة، أسهمت في صناعة جيلٍ من طلاب العلم وحملة القرآن..

يذكر الشيخ أن من أوائل من قدموا إلى مدينة الرياض برفقة الشيخ إسحاق الأمين – رحمه الله – كان ابن أخيه يوسف أحمد الأمين (دقّاش)، وذلك في شهر رجب من عام 1398هـ الموافق 1978م. ثم عاد الشيخ إسحاق الأمين إلى المدينة المنورة، ليعود بعدها إلى الرياض مصطحبًا كلاً من الأخ محمد الأمين وأحمد الأمين. كما قدم في دفعة أخرى كلٌّ من الحاج مالأرمي وابنه أبكر صديق, وكذلك ممن حضر من الأوائل شريف علي أبو بكر، كما توافد عدد من الإخوة، من بينهم: محمد علي قلماي، وعبد الرحيم عبد الرحمن سوقومي، وكذلك والتحق بهذه المجموعة أيضًا كل من: محمد شريف ذهبي، وعيسى شريف ذهبي، والشيخ أبو بكر حامد آدم، وشريف محمد أحمد. وقد توالى وصول هؤلاء الطلبة على دفعات متقاربة خلال أشهر رجب وشعبان ورمضان

وبعد شهر رمضان من العام نفسه، وتحديدًا في الخامس عشر من شهر شوال، أحضر الشيخ  مجموعة من الفتيان، تراوحت أعمارهم تقريبا ما بين العاشرة والثالثة عشرة  دفعة واحدة رحلة جوية عن طريق الطيران من المدينة المنورة إلى الرياض وهم:

محمد إبراهيم جبريل (مليمي)، محمد يوسف آدم (مرترُو)، علي عبد الرحمن حسن، إبراهيم يوسف (خليل) أبو بندر، محمد محمد طاهر جبريل (مطاري)، مختار يوسف آدم، محمد طاهر (مالأيمر بوقرمي)، وأخوه محمد صالح (مرساله)، صالح موسى جبريل، مازين موسى جبريل، محمد علي سليمان، وعيسى علي سليمان.

وهذه المجموعة الأولى التي حضرت دفعة واحدة وفي سن صغيرة ولذلك تحفّظ الشيخ أبو أحمد محمد بن سنان – رحمه الله – في بداية الأمر على قبول هؤلاء الفتيان لصغر سنهم، غير أنّ الإلحاح الصادق، وتعهد الكبار بتحمّل المسؤولية الكاملة عن تعليمهم وتربيتهم وتوجيههم، كان سببًا في فتح أبواب القبول لهم، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من الرعاية والعناية العلمية.

ثم لحقت بهذه الدفعات مجموعات أخرى، من بينهم: عمر ومحمد وأحمد أبناء اللافوزا، وعمر وعلي ابنا (أدقي) وكذلك ممن حضر في تلك الفترة محمد فضل نور أبو خالد وابناء فضل مدني وأحمد بشير وابكر سقجي وغيرهم

وظل العدد في ازدياد عام بعد عام وشهر بعد شهر حتى وصل قرابة 132 طالبا.

 وكان الجميع يقيمون في بيت الإخوة ( جنوب النيابة العامة الآن )  الذي هيء لهم من قبل المشايخ الفضلاء اللذين لم يؤلوا جهدا في توفير كل ما هو مهم في تلك الفترة لتفرغهم لطلب العلم والتعلم.

ويسكن في هذا البيت مجموعة كبيرة من الطلبة من جنسيات مختلفة فهناك سعوديان ومن الجنسية الارتيرية وكذلك التشادية واليمنية، وممن نذكرهم الشيخ عبد الله بلالي وناصر الكميم وغيرهم

وكان البيت كبيرًا وواسعًا، منظمًا في مرافقه، إذ كانت بعض الغرف تتسع لنحو  عشرين شخص وكان متوفر فيه كل الخدمات وحتى الطعام في بادئ الأمر يقوم الطلبة بطبخه لكن فيما بعد خصص لهم طباخ متقن وخبير من الجنسية اليمنية وكان يعمل الطبخ بشكل ممتاز وجودة عالية حتى ظهر على الطلبة آثار الصحة والعافية.

وبالنسبة للدراسة، فيدرس الطلبة القرآن الكريم في مسجد الجفرة ( تقع مكان الأمارة الحالية ) وكان إمامه الشيخ / أبو احمد محمد بن سنان في فترة الصباح وفي العصر والمغرب وكذلك في مسجد الشيخ / محمد قاسم بجانب معهد إمام الدعوة ( الواقع مكان المحكمة الجزائية الحالية )

ومع بداية العام الدراسي الجديد ( 1399ه ) تم تسجيلنا في مدارس الحكومية وكانت تسمى مدارس تحفيظ القرآن الكريم وكان مديرها الشيخ / محمد بن سنان وكنا ندرس في المدارس الفترة الصباحية ونحفظ القرآن في فترة العصر والمغرب

وبعد بناء جامع الفريان  تقريبا في عام 1403 تم نقل الطلبة إلى الجامع وكانت الحلقات كالخلية فترة الفجر وبعد العصر والمغرب وكذلك دروس وقت الضحى

الرواية الثانية

يروي الشيخ والأستاذ / أبوعبد الله محمد نور محمد عباس ويقول:

“بيت الإخوة”، ذلك البيت الطيني المتواضع التي ضم طلبة العلم من جميع بلدان العالم ومن جنسيات شتى وقبائل متفرقة، ذلك الصرح العتيق الذي لم يكن مجرد مأوى، بل كان محضناً للأرواح ومدرجاً للرجال. سكنته أجيال، ومرّ عبر ردهاته قامات، يستعصي البيان ويقصرُ الوصف حينما يغدو الحديث عن هذا البيت الجميل، فهو ليس مجرد جدرانٍ وسقف، بل هو كيانٌ تاريخي شهد تعاقب شخصياتٍ تركت أثراً لا يُمحى. إننا أمام مَعلمٍ يضيقُ المقالُ عن إيفائه حقه من الإجلال، كيف لا وهو الذي تصدّر صفحات المذكرات وبطون الروايات، لشخصيات أمثال: الشيخ سليمان الراجحي – رجل الأعمال الفذ – حيث يقول: أن هذا البيت، المعروف بـ “بيت الإخوة”، كان المحطة الأولى لخطواته في الرياض. استوطنه برفقة شقيقه الأكبر صالح، وكان يزهو آنذاك برعاية وإشراف رجلٍ يُدعى “ابن سنان”.

وكذلك ممن سكن في هذا البيت شيخنا واستاذنا الشيخ / محمد قاسم جعفري – رحمه الله رحمة واسعة –  وغيره من الشخصيات الاعتبارية والمهمة. التي لا يسع المقام لذكرهم.

ورغم أن هذا البيت كان ملاذاً لنخبةٍ من الرموز والشخصيات المرموقة عبر السنين، إلا أنني أخصّ بالذكر عن الفترة ما بين عامي 1400 و1405 للهجرة، التي كنتُ شاهداً على تفاصيل يومية جمعتني بنخبة من الزملاء الكرام.

 تلك الحقبة الغالية التي عشتها بين جنباته؛ ننهل من عبق المكان ونستحضر ذكريات مَن مروا من هنا. ففي تلك الفترة وفقني الله إلى القدوم للرياض من طيبة الطيبة بصحبة عمي “زين عباس”، لألتحق بركب طلبة العلم في بيت الإخوة التي تقع في حي “معكال” وعلى مقربة من المحكمة العامة.
كانت الحياة في هذا البيت تسير وفق نظامٍ دقيق يملؤه الوقار؛ فمع إشراقة كل صباح، كنا نستقل ذلك “الباص الكبير كي ينقلنا إلى المدرسة بحي عتيقة في مجمع من المدارس هناك يهبّ الطلبة جميعاً نحو محاضن العلم، وغالبهم يمموا وجوههم شطر (( الأولى )) لتحفيظ القرآن الكريم. وهناك، في تلك الفصول، توثقت عرا عرى الصداقة مع زملاء كرام، لم نفترق منذ الرابعة ابتدائي وحتى الثالث الثانوي، وهم: علي عبد الرحمن حسن، محمد إبراهيم جبريل (ملمي)، عبد الله بن عبد العزيز آل الشيخ (ابن المفتي العام)، وعبد العزيز الحكمي، و خالد آل طالب  وعبد الله عبد ربه واحمد البعداني. كنا سوياً في فصل واحد، نقتسم مقاعد العلم وسنوات العمر. وكذلك ممن التقينا بهم في المرحلة الثانوية يوسف الدوسري وعبد الله دخيل الله.
في تلك الحقبة الزمنية التي اتسمت بالبساطة والترابط، كان يُسمح للطلبة بمغادرة المدرسة قبل قرع جرس الانصراف بوقتٍ كافٍ؛ ولم يكن هذا الاستثناء رغبةً في نزهةٍ أو زيارةٍ لقريب، بل كان تجسيداً لأسمى قيم المسؤولية الاجتماعية، كان الطلبة يتناوبون على الخروج المبكر وفق جدولٍ مُنظم، حيث يغادر مَن يقع عليه “الدور” ليتفرغ لمهمةٍ نبيلة، وهي إعداد وجبة الغداء لرفاقه وزملائه الذين سيلحقون به لاحقاً. لقد كان مطبخ البيت خلية نحلٍ تُدار بأيدي الفتية الذين تعلموا الاعتماد على الذات قبل تعلم أبجديات العلوم.

ولم يكن هذا النظام ليمضي لولا الوعي الكامل والدعم اللامحدود من إدارة المدرسة؛ فقد كان مدير المدرسة نفسه هو العقل المدبر والمشرف المباشر على “بيت الإخوة”، مطلعاً على تفاصيله، وداعماً لاحتياجاته، مؤمناً بأنّ بناء الرجال يبدأ من غرس روح التعاون والخدمة المتبادلة في نفوسهم.

أما عن طعامنا، فكان الفطور في الغالب ميسوراً داخل المدرسة، يقدم مجاناً (عصير وحليب وكعك) يسد الرمق ويُعين على التحصيل. وفي الغداء، كنا نجتمع على مائدة الأرز البسيط بالشطة، ولكن يومي الخميس والجمعة كانا عيداً حقيقياً؛ حيث تُزين المائدة “دجاجة واحدة” تجعل منه يوماً مشهوداً في ذاكرة الجميع. ولعل العبارة التي لا تزال تتردد في الأصداء بابتسامة وامتنان هي قول الطلبة بلغتهم العامية: “قري قري”، إشارةً إلى “فخذ الدجاجة” وتعبيرًا عن بهجتهم بتلك النعمة.

وفي المساء، كان العشاء يجمعنا على الفول المدمس وخبز “التميس”، وأحياناً طبق “الشكشوكة“. و كنا نحرص على استهلاك الطعام كله في حينه؛ إذ لم تكن “الثلاجة” قد عرفت طريقها إلينا بعد.
ومع مرور الأيام، كُلف بعض الإخوة ممن لم يلتحقوا بالدراسة بمهمة الطبخ مقابل مكافأة رمزية، حتى استقر الأمر فيما بعد بوجود طباخ ماهر.

ففي تلك الفترة لا توجد غسالات ولا مكيفات وكنا نغسل بالأيدي الملابس وننام في الأسطح في فترة الصيف وكانت بالفعل أيام جميلة.

لقد حظينا في هذا البيت برعاية كريمة ودعمٍ سخي من المشايخ المشرفين، وعلى رأسهم الشيخ الفاضل أبو أحمد محمد بن سنان وبدعم من فضيلة الشيخ  عبد الرحمن الفريان ومن آزرهم، فكانوا يوفرون لنا كل الأساسيات لعيشة كريمة. كما أحاطنا رجالٌ خلص من إخواننا الكبار وآبائنا، كانوا لنا كالأوتاد؛ عرفاء وموجهون لم يبخلوا علينا بعناية أو توجيه. نذكر منهم بامتنان: ( الشيخ أبكر حامد آدم، والشيخ أبكر بشارة – رحمه الله -، والشيخ شريف محمد أحمد – رحمه الله -، والشيخ يوسف أحمد الأمين- رحمه الله -، والشيخ مالحسن أبو تلبيمي – رحمه الله -، والشيخ محمد طاهر عيسى- رحمه الله -، والشيخ هارون أبكر أحمد، والشيخ حامد يسكيمي- رحمه الله -، والشيخ مالمار أرمي، والشيخ يوسف محمد زين ).

كان  هؤلاء كبارُنا ومشرفونا – جزاهم الله خيراً – يسوقوننا إلى بيوت الله سوقاً جميلاً، لحفظ كتاب الله من بعد صلاة العصر إلى صلاة العشاء ويغرسون فينا الانضباط والارتباط بالوحيين. وفي غمرة هذا الجدّ، كانوا يمنحوننا “ريالاً واحداً” من مصروفنا اليومي؛ وهو مبلغٌ بسيطٌ في عُرف اليوم، لكنه كان في أعيننا كنزاً عظيماً، نبتاعُ به “بسكويت البندق” مع “عصير الميرندا”، لنتلذذ بوجبةٍ كانت في مذاقها وفرحتها تفوقُ مآدب الدنيا.

ومن حكمتهم في التدبير، فقد كانوا نِعم الأمناء على مكافآتنا الشهرية التي نتقاضاها من مدارس تحفيظ القرآن في الفترة الصباحية، والتي كانت تتراوح ما بين 200 إلى 250 ريالاً في المرحلة الابتدائية وفي المرحلة المتوسطة والثانوية مبلغ اكبر اظن في حدود 300 إلى 380 ريال. كان هذا المبلغ في تلك الحقبة يمثل ثروةً طائلة، لذا استنّ المشرفون نظام “الادخار القسري” لمصلحتنا؛ فلا نُسلم مبالغنا إلا مع إطلالة الإجازة الصيفية، وحينها، كانت العودة إلى الأهل تمثل عُرساً حقيقياً، حيث تجتمع في قلوبنا فرحتان: فرحة اللقاء بالمنزل والديار، وفرحة الحصاد المالي الذي ندخل به السرور على ذوينا، لتظل تلك الأيام محفورةً في ذاكرة الوفاء والامتنان.

كما لا يفوتني أن أذكر بوفاءٍ أساتذتي الذين أشعلوا لنا قناديل المعرفة، وأذكر منهم:
الأساتذة في المرحلة الابتدائية: مدير المدرسة الأستاذ سعود العسكر، والأستاذ محمود سكر – رحمه الله – ، والأستاذ محمود عبد ربه، وسليمان المبيريك، وعلى المقيطيب، وشوقي شرقاوي، وسمير نمر، وفوزان الفوزان، وسعود السعود، وصلاح زغاري (رحمه الله)، وموسى العسيري، والاستاذ أبو زيد، واساتذتنا الكرام في المرحلة المتوسطة والثانوية: الأستاذ عبد الشثري والشيخ عبد الله مطرود، الدكتور إبراهيم الدوسري، الأستاذ إبراهيم المليفي، الأستاذ الدويش، الأستاذ محمد بن إبراهيم آل طالب، والأستاذ صابر أبو سليمان.

واساتذتنا في حلقات تحفيظ القرآن الكريم: الأستاذ محمد ذاكر والأستاذ محمد قاسم جعفري. وغيرهم.

أما رفقاء الصبا وأقران الدراسة، فكانوا نسيجاً من القارة السمراء، اجتمعوا على مائدة القرآن؛ من تشاد وليبيريا وغينيا، أسماءٌ نُقشت في الذاكرة، أمثال  علي عبد الرحمن حسن وملمي وابو الطيب محمد يوسف وشريف علي ابو بكر وعمر اللافوزة وعلي وعمر آدم أدقي عبد الكريم معلم وموسى جدي وأحمد ومحمد الأمين ومريل روزيمي ومحمد أبكر عبد الرحيم ومحمد بشير عيسى وابكر سقوجي وعبد الرحمن كوسوا وعلي محمد نور ومحمد صالح عدي ويوسف محمود وطاهر محمد نور كوشي وعمر حامد ابو سراج ومحمد شريف ذهبي ومحمد صالح حاكومة واحمد عباس، ومحمد أمين وغافر، وموسى كمارى، وموسى توري، هؤلاء اقراني وفي سني او أكبر أو متقارب بسني.

وصولاً إلى الكوكبة الأصغر سناً الذين ملؤوا البيت حيويةً ونشاط أمثال محمد علي سليمان آجي، وعيسى علي سليمان وبدر الدين شريف ومحمد يوسف ناقو ومحمد طاهر أحمد وابراهيم يوسف خليل ونهار صالح عثمان ومريل ابو عباس وعثمان شيبه وآدم أرفو وروزي ابو أنس واحمد درديري – رحمه الله  – ومالأيمر بوقري وصالح بوقري وطاهر بوقري – رحمه الله – ومصطفى ومحمود وعبد الرحمن محمود وحسن محمود وجمال هيكل ومحمد آدم ويوسف أحمد ذهبي وعبد الرحمن يوسف رحمة وعمر يوسف رحمة وعيسى شريف ذهبي وعثمان شريف ذهبي وآدم موسى رقي واخوانه اثنين ومحمد صالح مريسكومي وناصر الدين شريف وصالح جلال ومصطفى حسن وطاهر حسن ومحمد يسكي آدم وعبد القادر واخيه وعيسى سوقي كريمي وعمر أحمد وعبد العزيز أحمد صالح تنه ابو سهام – رحمه الله – وعبد الرحمن قدم قادم وعبد الرزاق علي وحامد بشير عيسى ومختار يوسف واخوانه آدم ومحمد نور وموساي بدلومي وآدم طنطاوي، محمد فضل نور ( مرفضلي ) وعمر طاهر ( عمر أنيس ) ومحمد اللافوزة وأحمد اللافوزة ومحمد نور سوقي ستيمي ( مانور خيش ).

كما لا تخلو الذاكرة من مشاكسات الشباب؛ ففي ليلة خميسٍ أنيسة، تحول المزاح في غرفتنا إلى “مطارحة” ولعب، مما استدعى تدخل المشرفين “حسن البصري وأبو أحمد”. ولأننا تعاضدنا بـ “صمت الزملاء” ولم نشِ ببعضنا، صدر قرارٌ حازم بفصل الجميع، ولم نعد لمقاعد الدراسة إلا بشفاعة الكبار وإلحاح المشايخ.

أما الموقف الأسمى، فهو ذلك المنعطف القانوني الذي كاد أن يوقف مسيرتنا التعليمية لولا عناية الله ثم سعي الشيخ “بن سنان”، الذي أوصل صوتنا لسماحة العلامة “ابن باز” -رحمه الله-. وبخطابٍ منه للأمير “أحمد بن عبد العزيز”، صدر الأمر الكريم بتصحيح أوضاعنا ومنحنا إقامات نظامية على كفالة الجمعية الخيرية ومعفيون من الرسوم، ليرتسم مستقبل سبعة وثلاثين طالباً من جديد.تفاصيل الحياة اليومية

رحم الله من غادرنا، وحفظ من بقي، وبارك في تلك الأيام التي صقلتنا رجالاً تحت سقف “بيت الإخوة”.

الرواية الثالثة:

شذرات من سيرة الشيخ يوسف محمد زين

حيث يقول:استرجعُ بذاكرتي تلك الأيام النضرة في مدينة ماو، شمال العاصمة أنجامينا، حيث كنتُ حينها في شرخ الشباب وربيع العشرين، متزوجاً وأباً لولدين. كان ذلك في عهد الرئيس قوكوني وادي؛ حيث تداعى ثلة من الفضلاء لتأسيس “لجنة شعبية” تُعنى بإصلاح المجتمع وتنظيم شؤونه المدنية.

وعلى الرغم من محاولاتي الحثيثة للاعتذار والتعفف عن القيادة، قناعةً مني بوجود مَن هم أجزلُ عطاءً، وأوسعُ مالاً، وأغزرُ علماً وديناً، إلا أن الإجماع انعقد على اختياري. قالوا لي آنذاك: “أنت الأنسبُ لهذا المقام؛ ففيك حيوية الشباب، ونور العلم، وإلمامٌ باللغة الفرنسية، فضلاً عن كونك غصناً متفرعاً من قبائل وأفخاذ عريقة، تجمعك بالجميع صلات القربى والود”.

وبفضل الله وتوفيقه، استهللتُ عملي بحسم قضيةٍ شائكةٍ ومزمنة، تعود جذورها إلى ما قبل ولادتي بعامين. كانت معضلة مالية معقدة، فوفقتُ في وضعها على المسار الصحيح، وحللتُ عُقدها المستعصية، ثم أحلتُ ما تبقى منها إلى وجهاء وأعيان مدينة مسرو، الذين أتمّوا التسوية حتى تلاشت الخصومة وعادت الأمور إلى نصابها، والحمد لله على توفيقه.

رحلة العلم.. من “أنجامينا” إلى طيبة الطيبة

بعد تلك المحطة، انتقلتُ إلى العاصمة أنجامينا، حيث انخرطتُ في “لجنة أهل السنة”، مساهماً معهم في برامج دعوية وأنشطة نفعية. وفي عام 1403 للهجرة، بدأت رحلتي الكبرى؛ إذ شددتُ الرحال إلى “جدة” برفقة الأستاذ حامد موسى علي، ومنها حلّقتُ بجناح الشوق إلى المدينة المنورة برفقة الشيخ يوسف عبد الرحمن الرحمة. وهناك، في رحاب طيبة، أسدى إليّ الشيخ نصيحة غالية بأن أتوجه إلى الرياض، واصفاً إياها بالبيئة الخصبة التي تُكرم طلبة العلم وترعى العلماء.

في رحاب الرياض.. مجتمع العلم والتربية

حين وطئت قدماي الرياض، نزلتُ أولاً في “البيت العائلي الكبير”، الذي كان يضم تحت سقفه كوكبة من المشايخ الكرام وعوائلهم: الشيخ أبكر حامد آدم، الشيخ طاهر عبد الرحمن، الشيخ محمد شريف فكي، والشيخ أبو بكر بشارة طاهر.

وبعد ليلة قضيتها في ضيافتهم، استأذنتهم للالتحاق بركب طلبة العلم في سكنهم الخاص. كان المشهدُ مهيباً؛ أكثر من مئة طالبٍ ينهلون من معين المعرفة، وكان الشيخ محمد طاهر عيسى أبو سمير يقود الطلبة  بوقار إلى المدارس وحلق التحفيظ.

ومع اتساع رقعة الدارسين، نُظِّم العمل بدقة، فقُسّم الطلاب إلى مجموعات عُشرية، يترأس كل مجموعة “عريف” يتولى توجيههم، ومتابعة تحضيرهم الدراسي، وتنظيم شؤون عيشهم، وأذكر من هؤلاء محمد نور عباس ومحمد يوسف مرتري وملمي إبراهيم وأنا ومحمد أبكر عبد الرحيم، وغيرهم. وفي لفتةٍ تربويةٍ حانية، كان المشايخ الأجلاء، كالشيخ أبكر حامد، يتولون جمع مكافآت الطلاب من مدارس التحفيظ، ويحفظونها في أظرفةٍ ليصرفوها لهم يوماً بيوم وفق حاجتهم، صوناً لهم وتعليماً للزهد.

لقد كانت تلك الحقبة، وصولاً إلى عام 1406هـ، وقتاً مقدساً للقرآن والطلب؛ فلا مجال فيها للهزل، ولا متسع لغير الجد والمثابرة.

سيرة التأسيس ومسيرة العطاء: ذاكرة العمل الطلابي والدعوي

أولاً: مرحلة الانتقال والتربية الحازمة

يستذكر الشيخ يوسف محمد زين تلك الحقبة من عام1405هـ، حينما صدرت التوجيهات بإخلاء “بيت الإخوة” لضرورات التوسعة العمرانية لمنطقة المحكمة العامة بالرياض. وفي تلك اللحظة الفارقة، لم يتوقف العطاء؛ بل انبرى كبار القوم وسادتهم، وفي مقدمتهم الشيخ أبكر حامد، ومحمد أبكر عبد الرحيم، وشريف محمد أحمد، ويوسف محمد زين، ويوسف أحمد الأمين، للسعي في إيجاد بدائل تلم شمل الدارسين.

تم استئجار بيتٍ بديل، وهناك بدأت مرحلة من التربية الجادة؛ حيث اجتمع الطلبة تحت سقف واحد، وساد نظامٌ صارمٌ اتسم بالحزم في التأديب والحرص على التقويم، رغبةً في تنشئة جيلٍ صلبٍ على جادة الصواب. ويذكر الراوي أنه كان حينها أكبر القوم سناً بين فئة الشباب العزاب، مما ألقى على عاتقه مسؤولية التوجيه والمتابعة.

ثانياً: ولادة اتحاد الطلبة واستلام زمام المبادرة

بزغت فكرة تأسيس “اتحاد الطلبة” من رؤيةٍ ثاقبة قدمها الشيخ محمد شريف فكي؛ إذ استشعر الفراغ الإداري بعد تخرج وسفر الرعيل الأول من طلاب جامعة الملك سعود. فاقترح بذكاء وحنكة استلام زمام المبادرة وتفعيل كيان الاتحاد بوجوه جديدة قادرة على العطاء الإداري.

لاقت هذه الدعوة قبولاً واسعاً، وتُوجت بوضع هيكل إداري رصين، أُسندت رئاسته العامة إلى الشيخ أبكر حامد آدم، ونائبه الشيخ شريف محمد أحمد، مع نخبة من الأعضاء. وبعد رفع المقترح للسفارة، تم اعتماده مع تعديلاتٍ طفيفة لضمان شمولية التمثيل لكافة أطياف المجتمع التشادي.

الفصل الخامس: سيرة الشيخ إسحاق الأمين – رحمه الله –

ولد الشيخ/ إسحاق الأمين حامد أبكر أبايمي في دولة تشاد وهاجر مع والده إلى السودان، حيث نشأ في كنف أسرةٍ عُرفت بالصلاح والتقى. هناك استقى مبادئ العلم الأولى، قبل أن يتجه شطر الأزهر في مصر، ومنه إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ليتوّج مسيرته الأكاديمية بالدراسات العليا في معهد الإمام محمد بن سعود بالرياض، متخصصاً في الاقتصاد الإسلامي.

يروي تلميذه الشيخ الدكتور/ يعقوب محمد إبراهيم عنه أنه حين أتم دراسته، قصد سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – طالباً تزكيةً للعمل في رابطة العالم الإسلامي رغبةً في خدمة المسلمين، فما كان من ابن باز إلا أن خطّ له التزكية وختمها بختمه الخاص. وبفراسة المؤمن، قال له الشيخ ابن باز: “لمَ لا تعمل في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟”، فأجاب الشيخ إسحاق بامتثال المحب: “إنها لساعة مباركة وليتني أجد مكانًا فيها.” فطلب منه الشيخ ابن باز شهاداته، وعيّنه داعية إسلاميًا، ثم أرسله إلى النيجر، إذ كانت تشاد في تلك الفترة – نحو عام 1983م – تعيش اضطرابات وحروبًا، والنيجر بلد مجاور تتداخل قبائله مع قبائل تشاد.  لتكون محضن دعوته ومنطلق أثره.

وصل الشيخ إسحاق إلى نيامي، عاصمة النيجر، وبدأ عمله كداعية إسلامي هناك. ومع تأسيس الجامعة الإسلامية في نيامي عام 1986م، تم تعيينه محاضر ومدرساً وإماماً وخطيباً لمسجد الجامعة، واستمر في هذا الدور الجليل حتى وفاته – رحمه الله –

كان الشيخ سداً منيعاً في وجه التيارات المنحرفة، ومصلحاً كبيراً يلمّ شعث القلوب وينبذ الخلافات. لم يكلّ في محاربة التنصير، باذلاً جهداً مضنياً لاستعادة من ضلوا الطريق برفق وحكمة، حتى إنه كان ينفق من ماله الخاص لتسيير رحلات الحج لهم تأليفاً لقلوبهم وتثبيتاً لإسلامهم. لم تقتصر دعوته على المنابر، بل جاب القفار والصحاري داعياً إلى التوحيد، وأوصل صوته عبر الأثير في الإذاعات، معتمداً على ماله الخاص، متعففاً عن سؤال الخلق، طامعاً فيما عند الخالق.

قصة واقعية

في مهنة المحاماة، نعتاد على رؤية الصراعات وهي تنتهي خلف القضبان أو باسترداد الحقوق بقوة القانون، لكنني شهدتُ موقفاً تجاوز حدود الأوراق والمحاكم ليدرس لنا درساً في “سماحة الكبار”.

بدأت القصة حين وُكّلت من قِبل “فضيلة الشيخ” في قضية احتيال مالي تعرض لها بمبلغ كبير. وبعد استنفاد سبل النصح، احتكمنا لسعادة السفير علي برقوا، الذي أنصفنا بحكمٍ عادل يقضي باسترداد المال وسجن الخصم تأديبياً. وفي لحظة تنفيذ الحكم، كان المشهد قاسياً؛ حيث تم الحجز على كل ما يملكه الخصم تمهيداً لإيداعه السجن.

وهنا، حدث ما لم يتوقعه أحد! ففي اللحظة التي تمكن فيها الشيخ من حقه، تحول من “خصم” إلى “شفيع”. وبنبل المؤمن، توجه بسؤاله لسعادة السفير:

“ارفقوا به.. اتركوا له متاعه، ولا تسجنوه مراعاةً لضعف أبنائه وحاله”

ولم يكتفِ الشيخ بالتنازل عن العقوبة، بل اقترب من الشخص الذي احتال عليه، وبكلماتٍ ملؤها الودّ دعا له بالهداية، ثم وضع في يده مبلغاً من المال (سراً) ليعينه على ظروفه، في مشهدٍ جسّد قول الله تعالى: “وأن تعفوا أقرب للتقوى”. ورسالة لكل متمكن: إنَّ الانتصار الحقيقي ليس في كسر الخصوم، بل في الترفع عن الإساءة عند القدرة عليها. لقد علمني الشيخ أنَّ الحقوق قد تسترد بالقانون، لكنَّ القلوب لا تُفتح إلا بالرحمة.

كان الشيخ إسحاق مثالًا للورع والتقوى، كريم الخلق، طيب النفس، حسن الظن بربه وبالناس جميعًا، لا يُعرف له مثيل في سماحته وبذله وعطائه. عاش عمره كله صاحب صدقة ومعروف، لا يتردد في مساعدة أحد، ولا يملّ من فعل الخير.

توفي الشيخ إسحاق الأمين في  يوم 23 / 12 / 2020م في عاصمة النيجر، نيامي، وقد تشرفت بغسله وتكفينه وإكرام جنازته برفقة أبنائه، وحضر جنازته جمع غفير من الناس. حتى قيل إن صلاة الغائب أقيمت عليه في بلدان عدة مثل نيجيريا وبوركينا فاسو وغيرها من الدول.

فرحم الله الشيخ إسحاق الأمين رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

خاتمة المطاف

ومع طيِّ الصفحة الأخيرة من مذكرات “بيت الإخوة”، لا يسعنا إلا أن نقف وقفة إجلالٍ وامتنان، لنزجي أسمى آيات الشكر والعرفان لكل الأيادي البيضاء التي امتدت لتُسندنا في خطِّ هذه السطور.

شكرًا لكل من دعمنا، بكلمةٍ، أو ذكرى، أو مساندةٍ صادقة، وبذل في سبيل إخراج هذا العمل كل ما يستطيع.

لقد كُتبت هذه المذكرات بمدادِ المشاركة، وجمعتْ شتات الذكريات عبر تضافر الجهود وتكامل الرؤى؛ لتكون مرآةً حقيقية لتلك الأيام النَّضرة. إن هذا الكتاب ليس نتاجًا فرديًا، بل هو منكم وإليكم، ولد في رحابكم وينتمي إليكم أولًا وأخيرًا.

ولأن الكمال لله وحده، فإننا نضع هذا الجهد بين أيديكم بقلوبٍ ممتلئة بالحب، وصدورٍ رحبة تتسع لكل نقدٍ بنّاء، وملاحظةٍ تصوّب المسار. نؤكد أن حقوق هذا الإرث مَشاعٌ ومحفوظة لجميع الطلبة الذين شهدوا تلك الفترة وعاشوا تفاصيلها، فهو تاريخهم وصوتهم.

ونخص ببالغ التقدير والامتنان القامات التي شاركتنا وأمدتنا بمداد ذكرياتها وملاحظاتها لتوثيق هذا المجد. أمثال:

الشيخ/ محمد أبكر عبد الرحيم.

الشيخ/ علي عبد الرحمن حسن.

الشيخ/ يوسف محمد زين.

الدكتور/ شريف أبو بكر.

الأستاذ / احمد اللافوزة

الأستاذ/ صالح جلال.

الأستاذ/ محمد نور عباس.

الأستاذ/ محمد فضل نور سليمان.

الشيخ/ شريف خالد عيسى.

الشيخ / عيسى علي سليمان

الشيخ/ أبكر حامد آدم.

الشيخ/ محمد صالح عدي.

الشيخ / بد الدين شريف علي

الأستاذ/ يوسف محمد محمود.

الأستاذ / عبد الله محمد ( رامبو )

الأستاذ / عمر يوسف الرحمة

الأستاذ / آدم موسى روقي

المهندس / حمادة حامد كوجي

الاستاذ / عمر محمد أحمد

الاستاذ / محمد موسى بدلومي

الاستاذ / آدم موسى أرفو

الاستاذ / عمر طاهر أنيس

الاستاذ / أحمد محمد – مالايمر بوقري

الاستاذ / عبد الكريم شريف فكي

والشكر موصول لبقية الفضلاء الذين حال ضيق الوقت دون مشاركتهم؛ وإنَّ هذه المذكرات تظلّ ناقصةً ما لم تزدن بكلماتكم، ولن يكتمل عقدها الفريد إلا بفيض ذكرياتكم. نحن بانتظار إسهاماتكم التي لا يحلو المقام إلا بها، لنتحف القراء بسيرتكم العطرة في القريب العاجل.

سائلين المولى أن يبارك في هذا العمل ليتجدد اللقاء به في طبعاتٍ قادمة متعاقبة، تزيدُه نضجًا وتوثيقًا.

شكرًا لكم جميعًا، ودامت أيامكم حافلة بالوفاء.