نبذة عن الشيخ الجليل / اسحاق الأمين – رحمه الله تعالى –
ولد الشيخ/ إسحاق الأمين حامد أبكر أبايمي في دولة تشاد وهاجر مع والده إلى السودان، حيث نشأ في كنف أسرةٍ عُرفت بالصلاح والتقى. هناك استقى مبادئ العلم الأولى، قبل أن يتجه شطر الأزهر في مصر، ومنه إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ليتوّج مسيرته الأكاديمية بالدراسات العليا في معهد الإمام محمد بن سعود بالرياض، متخصصاً في الاقتصاد الإسلامي.
يروي تلميذه الشيخ الدكتور/ يعقوب محمد إبراهيم عنه أنه حين أتم دراسته، قصد سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – طالباً تزكيةً للعمل في رابطة العالم الإسلامي رغبةً في خدمة المسلمين، فما كان من ابن باز إلا أن خطّ له التزكية وختمها بختمه الخاص. وبفراسة المؤمن، قال له الشيخ ابن باز: “لمَ لا تعمل في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟”، فأجاب الشيخ إسحاق بامتثال المحب: “إنها لساعة مباركة وليتني أجد مكانًا فيها.” فطلب منه الشيخ ابن باز شهاداته، وعيّنه داعية إسلاميًا، ثم أرسله إلى النيجر، إذ كانت تشاد في تلك الفترة – نحو عام 1983م – تعيش اضطرابات وحروبًا، والنيجر بلد مجاور تتداخل قبائله مع قبائل تشاد. لتكون محضن دعوته ومنطلق أثره.
وصل الشيخ إسحاق إلى نيامي، عاصمة النيجر، وبدأ عمله كداعية إسلامي هناك. ومع تأسيس الجامعة الإسلامية في نيامي عام 1986م، تم تعيينه محاضر ومدرساً وإماماً وخطيباً لمسجد الجامعة، واستمر في هذا الدور الجليل حتى وفاته – رحمه الله –
كان الشيخ سداً منيعاً في وجه التيارات المنحرفة، ومصلحاً كبيراً يلمّ شعث القلوب وينبذ الخلافات. لم يكلّ في محاربة التنصير، باذلاً جهداً مضنياً لاستعادة من ضلوا الطريق برفق وحكمة، حتى إنه كان ينفق من ماله الخاص لتسيير رحلات الحج لهم تأليفاً لقلوبهم وتثبيتاً لإسلامهم. لم تقتصر دعوته على المنابر، بل جاب القفار والصحاري داعياً إلى التوحيد، وأوصل صوته عبر الأثير في الإذاعات، معتمداً على ماله الخاص، متعففاً عن سؤال الخلق، طامعاً فيما عند الخالق.
قصة واقعية
في مهنة المحاماة، نعتاد على رؤية الصراعات وهي تنتهي خلف القضبان أو باسترداد الحقوق بقوة القانون، لكنني شهدتُ موقفاً تجاوز حدود الأوراق والمحاكم ليدرس لنا درساً في “سماحة الكبار”.
بدأت القصة حين وُكّلت من قِبل “فضيلة الشيخ” في قضية احتيال مالي تعرض لها بمبلغ كبير. وبعد استنفاد سبل النصح، احتكمنا لسعادة السفير علي برقوا، الذي أنصفنا بحكمٍ عادل يقضي باسترداد المال وسجن الخصم تأديبياً. وفي لحظة تنفيذ الحكم، كان المشهد قاسياً؛ حيث تم الحجز على كل ما يملكه الخصم تمهيداً لإيداعه السجن.
وهنا، حدث ما لم يتوقعه أحد! ففي اللحظة التي تمكن فيها الشيخ من حقه، تحول من “خصم” إلى “شفيع”. وبنبل المؤمن، توجه بسؤاله لسعادة السفير:
“ارفقوا به.. اتركوا له متاعه، ولا تسجنوه مراعاةً لضعف أبنائه وحاله”
ولم يكتفِ الشيخ بالتنازل عن العقوبة، بل اقترب من الشخص الذي احتال عليه، وبكلماتٍ ملؤها الودّ دعا له بالهداية، ثم وضع في يده مبلغاً من المال (سراً) ليعينه على ظروفه، في مشهدٍ جسّد قول الله تعالى: “وأن تعفوا أقرب للتقوى”. ورسالة لكل متمكن: إنَّ الانتصار الحقيقي ليس في كسر الخصوم، بل في الترفع عن الإساءة عند القدرة عليها. لقد علمني الشيخ أنَّ الحقوق قد تسترد بالقانون، لكنَّ القلوب لا تُفتح إلا بالرحمة.
كان الشيخ إسحاق مثالًا للورع والتقوى، كريم الخلق، طيب النفس، حسن الظن بربه وبالناس جميعًا، لا يُعرف له مثيل في سماحته وبذله وعطائه. عاش عمره كله صاحب صدقة ومعروف، لا يتردد في مساعدة أحد، ولا يملّ من فعل الخير.
توفي الشيخ إسحاق الأمين في يوم 23 / 12 / 2020م في عاصمة النيجر، نيامي، وقد تشرفت بغسله وتكفينه وإكرام جنازته برفقة أبنائه، وحضر جنازته جمع غفير من الناس. حتى قيل إن صلاة الغائب أقيمت عليه في بلدان عدة مثل نيجيريا وبوركينا فاسو وغيرها من الدول.
فرحم الله الشيخ إسحاق الأمين رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.
